PDA

مشاهدة نسخة كاملة : بين القلب والعين .!


خليل بن هدلان
14-09-2006, 08:24 PM
لما كانت العين رائداً ، والقلب باعثاً وطالباً ، وهذه لها لذة الرؤية ن وهذا له لذة الظفر ، كانا في الهوى شريكي عِنان . ولما وقعا في العناء ، واشتركا في البلاء ، أقبل كل منهما يلوم صاحبه ويعاتبه .
فقال القلب للعين : أنتِ التي سُقتني إلى موارد الهلكات ، وأوقعتني في الحسرات بمتابعك اللحظات ، ونزهت طرفك في تلك الرياض ن وطلبته الشفاء من الحدق المِراض ، وخالفت قول أحكم الحاكمين [ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ]
قالت العين : ظلمتني أولا وآخراً ، وبؤت بإثمي باطناً وظاهراً ، وما أنا إلا رسولك الداعي إليك ، ورائدك الدالُ عليك :

وإذا بعثت برائدٍ نحو الذي = تهوى وتعتبه ظلمت الرائدَافأنت الملك المطاع، ونحن الجنود والأتباع . أركبتني في حاجتك خيلَ البريد ، ثم أقبلت عليِّ بالتهديد والوعيد . فلو أمرتني أن أُغلق عليَّ بابي ،وأرخي عليَّ حجابي ، لسمعت وأطعت ، ولما رعيت في الحمى ورتعت ، أرسلتني لصيدٍ قد نُصبت لك حبائله وأشراكه ،واستدارت حولك فخِاخه وشباكه . فغدوت أسيراً ، بعد أن كنت أميراً ، وأصبحت مملوكاً ، بعد أن كنت مليكاً. هذا وقد حكم لي عليك سيد الأنام وأعدل الحكام عليه الصلاة والسلام ، حيث يقول : " إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ، ألا وهي القلب " .
فلما سمعت الكبد تحاورهما الكلام ، وتناولهما الخصام ، قالت : أنتما على هلاكي تساعدتما ، وعلى قتلي تعاونتما . ولقد أنصف من حكي مناظرتكما ، وعلى لساني متظلماً منكما :

يقول طرفي لقلبي هجت لي سقما = والعينُ تزعم أن القلب أنكاها
والجسم يشهد أن العين كاذبة=وهي التي هيَّجت للقلب بلواها
لولا العيون وما يجنين من سقم = ما كنت مطّرحاً من بعض قتلاها
فقالت الكبد المظلومة اتئداً = قطعتماني وما راقبتما اللهوقال آخر :

يقول قلبي لطرفي أن بكى جزعاً = تبكي وأنت الذي حملتني الوَجَعا
فقال طرفي له فيما يعاتيه= بل أنت حملتني الآمال والطمعا
حتى إذا ما خلا كلٌ بصاحبه= كلاهما بطويل السُّقم قد قَنِعَا
نادتهما كبدي لا تبعدا فلقد = قطعتماني بما لاقيتما قِطَعَأوقال آخر :

عاتبتُ قلبي لما = رأيت جسمي نحيلا
فألزم القلب طرفي= وقال كنت الرسولا
فقال طرفي لقلبي= بل كنت أنت الدليلا
فقلت كُفّأ جيمعاً= تركتماني قتيلاثم قالت : أنا أتولى الحكم بينكما . أنتما في البلية شريكا عِنان ، كما أنكما في اللذة والمسرة فَرسا رهان . فالعين تلتذّ ، والقلب يتمنى ويشتهي ، ولهذا قال فيكما القائل

ولما سَلوتُ الحبَّ بشَّر ناظري= لقلبي فقال القلب لي ولك الهنا
تخلَّصت من إحياء ليلك ساهراً = وخلَّصتني من لوعة الهجر والضنا
كلانا مُهنَّا بالبقاء إن تعُد = فلا أنت يبقيك الغرامُ ولا أناوإن تدرِككُما عنايةُ مُقلب القلوب والابصار ، وإلا فما لك من قُرَّةٍ ولا للقلب من قرار ، قال الشاعر :

فوالله ما أدري أنفسي ألومها = على الحبّ أم عيني المشُومَة أم قلبي
فإن لمت قلبي قال لي العين أبصرت= وإن لمت عيني قالت الذنبُ للقلب
فعيني وقلبي قد تقاسمتما دمي = فيا ربّ كن عوناً على العين والقلب !


^

^

مـ : مـ

ابراهيم بن مريع
15-09-2006, 01:25 AM
سلمت يمينك يابو نواف على هذه المعزوفة الأدبية الرائعة


تقبل خالص شكري وتقديري



أخوك ومحبك

عبدالله بن غفره العاطفي
15-09-2006, 05:34 PM
ألف ألف شكر يابو نواف على الموضوع الأكثر من روعه


تقبل تحيات


أخووووك

خالد الحارثي
15-09-2006, 10:03 PM
العلم / خليل بن هدلان

وابداع من طعم اخر

صح فكرك

دمت بخير

خليل بن هدلان
11-03-2007, 07:56 PM
ابراهيم

الله يحيك ويحي مرورك