سعيد بن علي
12-10-2006, 04:38 AM
اجرى اللقاء : الاعلامي امين ابو وردة مكتب النجاح للصحافة والاعلام / نابلس مقدمة : احتفل الكاتب والشاعر الفلسطيني لطفي زغلول مؤخرا بصدور كتاب وثائقي يحمل عنوان " لطفي زغلول .. شاعر الحب والوطن " بالتعاون مع دار ناشري للنشر الالكتروني www.nashiri.net ، والاتحاد العام للكتاب الفلسطينيين / القدس . ويشتمل هذا الكتاب على قراءات تحليلية ودراسات جامعية وشهادات ادبية وانطباعية في شعره ، باقلام نخبة من الكتاب والنقاد والاكاديميين الفلسطينيين والعرب نافوا عن الستين . ونظرا للمكانة التي يتمتع بها الشاعر والكاتب زغلول في الساحة الادبية بعامة ، والشعرية بخاصة ، قمنا باجراء هذا اللقاء معه ، حيث تفضل مشكورا بالاجابة عن اسئلتنا . *) هل تعتقدون ان بمقدورالادب الفلسطيني مواكبة التقلبات والمتغيرات في الساحة السياسية الفلسطينية ؟ - الادب الفلسطيني شعره ونثره يتمتع بخاصية القدرة على استقراء المشهد الفلسطيني العام بكل الوان طيفه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها ، وهو اصلا يوصف بانه ادب القضية ، والخارج من رحم معاناتها . منذ بدايات القرن العشرين المنصرم ، وتحديدا غداة صدور وعد بلفور المشؤوم في العام 1917 ، كتب على الادب الفلسطيني ان يلتزم جانب القضية مناضلا ، مدافعا ، محرضا ، مستنهضا ، مؤرخا ، مصورا ، موثقا ، مذكرا . ان قراءة متمعنة لسجل الادب الفلسطيني في مراحله المختلفة ، وعبر قرن من الزمان سوف تؤكد لنا حقيقة ما نوهنا اليه ، فقد خاض معترك تداعيات وعد بلفور وفرض الانتداب البريطاني وآثارهما الكارثية على فلسطين التاريخية ، واستنهض الثورات الفلسطينية ما قبل النكبة . ان الثلاثي ابراهيم طوقان ، وابا سلمى ، وعبد الرحيم محمود خير مثال . ثم ان الادب الفلسطيني توقف مليا عند النكبة الفلسطينية التي تركت اثرا عميقا في الذات الفلسطينية ، بل انه اكتسب لقب ادب النكبة ومعاناة الفلسطينيين الذين سلبت اوطانهم ، وهجروا قسرا الى منافي الشتات والاغتراب . والادب الفلسطيني قاوم الاحتلال الاسرائيلي عام 1967 بحد القلم والفكر ومنطق الحق بالقصيدة والرواية والقصة والمقالة والخاطرة ، وهذه ميادينه نزل اليها في الانتفاضة الاولى عام 1987 ، وانتفاضة الاقصى عام 2000 ، وهو ما زال يقاوم الاجتياحات والاعتقالات والاغتيالات ، ويتصدى للدفاع عن الارض والحجر والشجر ، ويشحذ الهمم ضد الاستيطان وجدار الفصل العنصري ، ويصر على حق العودة والتحرير والحرية والسيادة والدولة كاملة الاستقلال وعاصمتها القدس ، ويتغنى بالديموقراطية ومنظومة حقوق الانسان ويطالب بهما ثقافة ونهجا ودستورا . ان الادب الفلسطيني قادر بكل جدارة على مواكبة الاحداث والتقلبات والمتغيرات والتحديات والتصدي لها ، وقد اثبت ذلك على مدار تاريخيه الحديث والمعاصر . *) هناك من يتخوف على الحركة الادبية تحت ظلال حكومة فلسطينية جديدة ، فهل تتقاطعون في تفكيركم مع مثل هذه المخاوف ؟ . - لقد سبق لي واجبت عن مثل هذا السؤال المتخوف في اكثر من مقام ، واجابتي كانت على الدوام ليس هناك من مبرر لمثل هذه المخاوف . والآن دعني اطرح المزيد من الرأي في هذا الصدد . ان الانسان الفلسطيني بعامة ، والمبدع شاعرا كان ام كاتبا ، ام صاحب قلم بخاصة ، قد اكسبته رحلة المعاناة والنضال وتقلبات احداثها وتداعياتها شكلا مميزا من اشكال الصلابة والتمسك بالرأي والدفاع عنه . ومن ناحية اخرى فالساحة الادبية الفلسطينية ينتمي اليها كثير من المبدعين ذوي رؤى سياسية مختلفة المشارب والتوجهات ينطلقون منها ، اثبتت مع الايام انها صلبة راسخة الاركان غير هيابة ولا وجلة . واستكمالا ، فمن الممكن في مرحلة ما ان يطفو على سطح الساحة الادبية لون من الادب الفلسطيني ، لم يكن ليطفو في الماضي على هذا النحو ، كونه اصبح له داعم سياسي ، ولكن هذا سيغني المشهد الادبي ، ولن يلونه بلون واحد يفرض عليه . ان الادب الفلسطيني متعدد الالوان كراية الوطن . واختتم ، انني لا اتصور ان تتعثر مسيرة الادب الفلسطيني الجاد تحت ظلال اية ظروف سياسية – وتحديدا تحت ظلال هذه الحكومة الفلسطينية الجديدة - . لقد اثبت الفلسطينيون انهم ديموقراطيون سياسيا في انتخاباتهم الأخيرة ، وانني واثق انهم سوف يثبتون انهم ديموقراطيون ثقافيا وابداعيا ، وان الساحة الادبية مفتوحة للابداع شريطة ان لا تتجاوز الخطوط الحمراء ، وان لا يكون هدفها الاقتلاع من الجذور ، او تسويق ثقافات بديلة غريبة ، او حتى هيمنة فكر واحد لا يؤمن بالتعددية الايجابية . *) هل في اعتقادكم ان تعدد الاجسام الفلسطينية في الساحة الادبية يمكن ان يجر الى تعميق الانقسام في الشارع الفلسطيني ؟ . - التعددية ايا كانت في السياسة او في الادب ظاهرة صحية ، ذلك ان طبائع الناس ورؤاهم وافكارهم واتجاهاتهم وحتى قيمهم هي في الغالب متنوعة كونها تخرج من منابع مختلفة . وهذا لا يعني في الضرورة اختلافا او خلافا ، بقدر ما يرمز الى كون المشهد الادبي غنيا منوعا شاملا غير محكوم للون واحد . ان التعددية سمة من سمات المجتمعات الراقية ، وهي احدى مقاييس الحضارة والتقدم . وحتى تكون التعددية ايجابية ينبغي لها ان تعمل تحت ظلال ثقافة احترام الرأي والرأي الآخر ، والتسامح والقدرة على التعايش معه ، شريطة انتفاء مشاعر الهيمنة من قبل طرف على آخر ، او ان يكون هذا الرأي الآخر يعمل على هدم منظومة الاصالة الوطنية والقومية والعقائدية لحساب " حداثة " هجينة غريبة . وهنا اود ان انوه مؤكدا على حقيقة انتفاء أي صدام ثقافي او ادبي في الساحة الفلسطينية . *) كيف يمكن للأدب الفلسطيني ان يلعب دورا في مواجهة مظاهرالفلتان الامني ؟ . - في اعتقادي ان مصطلح الفلتان الامني المتداول على بعض الألسن مبالغ فيه . ان ما يحدث هو حالة من الفوضى وعدم الانضباط جراء ظروف كثيرة نجمت عن ممارسات الاحتلال الاسرائيلي ، انها جزء لا يتجزأ من حالة الاحتلال ومن ممارساته التي افقدت السلطة الكثير من هيبتها وقدرتها ، وغيبتها في كثير من الاحيان عن الشارع الفلسطيني . ومع هذا ، فانا لا انكر ان هناك بعض مظاهر الفلتان الامني ، والتي لها اسبابها العامة التي ذكرناها آنفا ، والتي لها ايضا اسبابها الخاصة ، والتي يعرفها اصحاب القرار اكثر من غيرهم ، وقد يكون انعدام العدل والمساواة واستغلال المناصب لغايات شخصية ، وهدر المال العام وما ينجم عن ذلك كله من فقر وارتفاع حاد في مستوى البطالة ، قد يكون من الاسباب الرئيسة لهذا الفلتان . ان دور الادب الفلسطيني في هذا الصدد محدود ، كون الكلمة في هذه الظروف هي للسياسي وليس للمثقف . الا ان الامر لا يخلو من اسداء النصيحة والرأي والمشورة عبر ما يتاح من وسائل اعلام لاصحاب القرار حول طرق علاج هذه المظاهر السلبية . ان الادب لا يملك غير هذه الوسائل اذا وجد من يتلقاها ويعمل بفحواها . انها وسائل " لفظية " ، اما الوسائل الفعلية والفاعلة فيفترض انها لدى اصحاب القرار . *) ما هو المطلوب في اعتقادكم من الادباء للارتقاء باوضاع الحركة الادبية الفلسطينية ؟ . - اعتقد ان هذا السؤال كان يفترض به ان يأتي على النحو التالي : ما هو المطلوب من الجهات المختصة في السلطة للارتقاء باوضاع الحركة الادبية الفلسطينية ؟ . ان الادباء لا يملكون الا اقلامهم واوراقهم وافكارهم وطروحاتهم الابداعية شعرية كانت ام نثرية متنوعة . والادب عامل رئيس في تطوير المجتمعات والرقي بها على كافة الصعد ، وعلينا ان لا نتجاهل حقيقة ان الثورة الثقافية والفكرية تسبق نظيرتها المادية ، وتؤسس لها . وللأسف ففي الحالة الفلسطينية فان كثيرا من الادباء لا يمتلكون الامكانيات والموارد المادية التي تمكنهم من نشر آدابهم وابداعاتهم ، واضافة الى هذه الاسباب فثمة تقصير من قبل الجهات المسؤولة فيما يخص " عدالة التوزيع " بين الادباء والمبدعين ، وانحيازها الى نفر معين دون غيره . ان أي اديب او مبدع لا يملك الا ان يطور نفسه بشتى الوسائل المتاحة له ، وهي قليلة ، حتى يخرج ادبا منتميا ذا قيمة ، مسؤولا ، ملتزما ، موجها ، نافعا له ولوطنه . ومرة اخرى فهذا بحاجة الى الرعاية والتبني من قبل الجهات المسؤولة في السلطة . *) بودنا لو نتعرف على ابرز ابداعاتك الادبية وغيرها ! ؟ . - انا شاعر ، وحتى الآن صدر لي عشرون مجموعة شعرية تدور موضوعاتها في ثلاثيتي التي التزمتها عبر تجربتي الشعرية " الله – الوطن – المرأة " . لقد كتبت الشعر الصوفي في مناجاة الذات الالهية ، وكتبت الشعر الوطني الخارج من رحم القضية الفلسطينية " الحنين الى الوطن السليب – الشعر المقاوم _ الشعر السياسي الناقم على ما آلت اليه اوضاع العالم العربي المزرية ، انه غارق في مستنقع العجز ، يعاني من تداعيات حالات فقدان الوزن السياسي الكارثية ، جراء تخليه عن الثوابت القومية ، وكمونه تحت ظلال التقوقع القطري " . وانوه الى انني احد الشعراء القلائل الذين كان لهم باع طويل في نظم الاناشيد الوطنية والتربوية والطفولة " . واستكمالا لثلاثيتي كتبت شعر الحب ، وكان لي اكثر من خطاب شعري موجه للمرأة . اننا نحن الفلسطينيين لنا قلوبنا التي تستشعر الجمال ، وتخفق للحب وتسبح في بحوره وتحلق في فضاءاته ، ولسنا مناضلين لغتنا النار والحجارة فحسب ، وليس في هذا ادنى شك . انوه الى ان آخر اربعة دواوين صدرت لي هي : " قصائد بلون الحب – مدينة .. وقودها الانسان – مطر النار والياسمين – عشتار والمطر الاخضر " . وانا باعتباري كاتبا ايضا ، لي مقالة اسبوعية في صحيفة " القدس " المقدسية ، تصدر تحت عنوان " همسة " اتناول فيها موضوعات سياسية وادبية وثقافية . وقد قمت بتصنيف مجموعة مختارة من هذه المقالات في كتب : 1 انتماء : مقالات في الثقافة : دار ناشري للنشر الالكتروني . 2 فلسطين .. حق وراءه مطالب : دار ناشر للنشر الالكتروني . 3 اميركا والعرب : مسار في الاتجاه الخاطىء : يصدر قريبا . 4 الفلسطينيون واسرائيل .. سلام في رحم المجهول : يصدر قريبا . *) ما هو تصوركم لمستقبل الادب الفلسطيني ؟ . هناك ادب فلسطيني ، وهو جزء لا يتجزأ من الادب العربي ، وان كانت المأساوية النكبوية ، والنضالية المقاومة هي السمات الغالبة عليه . انه ادب حقيقي قادر على تصوير الواقع الفلسطيني في كل اطره وفضاءاته ومشاهده . صحيح ان هناك تيارا ادبيا يغرد خارج السرب ، غارقا في طلاسمه واساطيره وخرافاته ، وله رؤى ومسارات لا تتقاطع مع الرؤى والمسارات الوطنية والقومية والعقائدية ، مدعيا انها الحداثة وما بعد الحداثة وما الى ذلك من صرعات غربية مستوردة ، الا انها في حقيقتها خروج من الجلد والجذور ، وهروب مشبوه من ميدان القضية ، وتضحية بالتراث والاصالة في مذبح العصرنة والعولمة المفروضين على عالمنا العربي . وبرغم ذلك كله ، فانني متفائل ، واتوقع ازدهارا وانتشارا للادب الفلسطيني وتبوءا للمكانة التي يستحقها ، كونه يتمتع بتصوير لواقعه ذي مصداقية عالية ، اضافة الى انه لا يتجاهل محيطه الانساني . ان الادب الفلسطيني شكلا ومضمونا ناضج ، ولا ينقصه الا من يبذل المزيد في رعايته وانطلاقه . واختتم في هذا الصدد اننا في حديثنا عن عناصر القوة والتميز التي يتمتع بها الادب الفلسطيني ، ومكامن الضعف التي تحد من انطلاقه وانتشاره على النحو الذي يحلم به كل اديب ومبدع ، فاننا يجب ان نأخذ بعين الاعتبار عدم وجود جهة ناقدة محايدة غير منحازة مخولة لاصدار احكامها على مجمل الاعمال الادبية . ومع ذلك انوه الى ان كثيرا من الابداعات الادبية الفلسطينية قد نالت جوائز تقديرية عربية ودولية ، وقد اسعدني واثلج صدري كون عملين ادبيين من اعمالي قد نالا جائزتين تقديريتين على مستوى العالم العربي . *) هلاَّ حدثتنا من واقع خبرتكم اللافتة في هذا المجال عن ظاهرة النشر الالكتروني .. الى اين ؟ ، ما هي الفائدة ؟ ، وهل انتهى عهد النشر الورقي ؟ . - لقد اصبح هذا السؤال ملحا ، ويفرض نفسه على الدوام . وبداية فالنشر الالكتروني له وسائل وآليات عدة . هناك دور النشر الالكتروني ، وهناك المواقع الالكترونية العامة والخاصة ، وهناك المدونات " البلوجات " . وهذه جميعا قد اصبحت سمة مميزة من سمات العصر الحديث التي لا يمكن الاستغناء عنها . لا شك انه عصر النشر الالكتروني ، وفي الحقيقة لقد قطعت شوطا لا بأس به في هذا المجال ، والفضل يعود الى دار ناشري للنشر الالكتروني www.nashiri.net ، وهي من اشهر المؤسسات الالكترونية الثقافية والادبية الرائدة . ان عشرات من الكتاب والشعراء والادباء ، وانا واحد منهم ، ينشرون كتبهم ومقالاتهم وقصائدهم وخواطرهم عبر صفحاتها. وهناك الآلاف من الزوار الذين يدخلون الى هذه الدار ويقومون بتحميل مجاني للكتب المختلفة والمقالات والقصائد والموضوعات الاخرى ، ويعلقون عليها . ان النشر الالكتروني يؤمن انتشارا سريعا للغاية ، ويزيد من عرى التواصل ويقويها ، ويغطي مساحات من العالم اوسع بكثير من المساحات التي يغطيها النشر الورقي . واما التكلفة المادية فتكاد لا تذكر . ان النشر الالكتروني هو لغة العصر الحديث ، واداة تواصله التي فرضت نفسها بكل جدارة واقتدار . وفي الحقيقة انه يشكل حلا معقولا وشافيا لمشكلات النشر التي يعاني منها كثير من الادباء والكتاب . بالنسبة لي فانني اتوقع خلال عام ان انشر الكترونيا كل اصداراتي الشعرية والنثرية . لقد اصبح لي حتى الآن عشرة كتب ودواوين وعشرات المقالات والقصائد منشورة الكترونيا ، والتي تم تحميلها او قراءتها من قبل آلاف معنيين بتلقيها ، وهذا يتسنى معرفته بسهولة جراء وجود عدادات تشير الى ذلك . واخيرا وليس آخرا ، فانني لا استطيع القول ان النشر الورقي قد انتهى عصره . ان الكتاب الورقي له خصوصيته وحميميته وسحره ، والعلاقة بينه وبين المتلقي عريقة قديمة قدم تاريخ الطباعة ، ولكنها الحضارة والتطور التقني يفرضان وجودهما شئنا ام ابينا . وكلمة اخيرة اقولها يسعدني وانا شاعر وكاتب اكتب بلغة العصر كما قالت الاديبة " حياة الياقوت " مديرة دار ناشري للنشر الالكتروني ، يسعدني ان اكون في هذا الصدد مخضرما .