لطفي زغلول
01-12-2006, 12:43 PM
قراءة انطباعية
في المشهد الحداثي
في الساحة العربية
لطفي زغلول
الحداثة او الحدوثة مفردة عربية تحمل معاني كثيرة ، منها الايجاد او الابتداع او الوصول بالشيء المقصود الى اقصى حالات التغيير في كل من الشكل والمضمون ، وأرقاها في زمن معين . وهي حالة نسبية لا مطلقة ، كونها تتغير بمرور الزمن وتبدل المكان والمنطلق والرؤيا .
والحداثة من الصفات التي لازمت المسيرة الانسانية عبر مراحل تطورها الثقافي والحضاري ، علاوة على انها لم تكن حكرا على أي من الحضارات او الثقافات . وفي الحقيقة انها كانت تشكل قاسما مشتركا لها في شتى الميادين . الا انها في نفس الوقت كانت متفاوتة الوتيرة في سرعة ايقاعها واتجاهاتها . وفي ذات الوقت تختلف وتيرة تسارعها من مجتمع الى آخر ، او مدى الإيمان بها كحركة ضرورية وحتمية .
وقد عايشت الحضارة العربية الاسلامية هذا المفهوم الذي لازمها على مرعصور ازدهارها ، كونها اساسا لم تكن منغلقة على نفسها . وعلى النقيض من ذلك كانت منفتحة على الآخر ومتسامحة معه ايا كان . الا انها ظلت تحتفظ بمزاياها وتميزها وخصائصها وخصوصيتها ، وترفض الذوبان في أي ذات اخرى ، او الانصياع لها او اتخاذها مرجعية . وهي في ذات الوقت عالية غير متعالية ، ومعتزة معزوزة غير وضيعة مهزوزة بعطائها.
وفي التاريخ العربي المعاصر ، وتحديدا منذ خمسينات القرن العشرين المنصرم ، شهد العالم العربي تنامي موجة تحديث لشتى مرافق حياته المادية ، وغير المادية . فلم يكن هناك ادنى خلاف على تحديث الجوانب المادية . الا ان الخلاف استعر على ما يخص الجوانب التقافية . حيث طغت على تفكير شريحة من المثقفين والمبدعين العرب موجة عاتية آخذة في الانتشار والاتساع ، اسفرت في احيان كثيرة عن ارتماء في احضان الثقافة الغربية ، وتقبل كل ما تنتجه دون تمحيص ولا تقويم او تقييم ، على اعتبار انها ثقافة الآقوى المستعمر المنتصر الأرقى التي لا ينبغي لأحد محاكمتها ، ويفترض قبولها على علاتها .
وتنعكس مظاهر هذه الموجة في " ابداعات فكرية او ادبية ، والشعر واحد منها " . وقد افرزت ادبا وشعرا يصر مبدعوه الحداثيون على ان هويته عربية حديثة وعصرية وحتى عالمية . وحقيقة الامر هو ابداع قوالبه واشكاله واساليبه ومدارسه ومنطلقاته ورؤاه مستعارة من الثقافة الغربية التي يبشر بها هؤلاء الحداثيون اعرب ، ويقومون بتسويقها على انها الحل الجذري لتخلف المشهد الثقافي العربي الذي سوف يظل يعاني من التحجر والانجماد والتقوقع اذا لم يأخذ –على حد ادعاء هذه الشريحة – بالتجربة الثقافية الغربية التي لها الهيمنة السياسية والعسكرية والعلمية والتقنية ، وبالتالي فان كل ما يصدر عنها من هذا المنظور يشكل المرجعية الاخيرة لكل بني البشر . واما الخصوصيات والكماليـات فقد انتهى مفعولها وزمانها .
وقبل الخوض في فعاليات تسويق هذا النوع من الحداثة على ايدي هذه الشريحة المثقفة العربية ، يجدر بداية اضاءة فضاءات هذه " الحداثـة " والتحليق في مساراتها ومعارجها . فالحداثة هنا والتي يجري الترويج لها في الوطن العربي ، هي في الحقيقة نموذج اوروبي هدفه اصلا ان يواجه الانسان مصيره مستقلا . وهي تعتمد الذات البرجوازية .
ولدى دراسة الابداعات الاوروبية التي تنتمي الى مدرستها فانها باختصار تضعنا امام نماذج من الابداع حطم كل اشكال التقاليد وتجاوز منظومة المحظورات والمحرمات والتحفظات التي تقوم عليها فلسفات المجتمع . واطلقت في ذات الوقت العنان لكافة المشاعر والاحاسيس والرغبات والنزعات والغرائز الكامنة في الانسان الى فضاءات من الحرية ليس لها حدود ، مخلفة وراءها كافة الاساليب والقوالب الابداعية الجماعية التي كان متعارفا عليها على مذبح الفردية.
وبمعنى ابسط فالحداثة الاوروبية قبل ان تكون في القوالب والمدارس الابداعية كانت في الفكر والرؤيا والايديولوجية . وقد يكون هذا الشكل الحداثي مقبولا في اوروبا نظرا لتطور مفهوم الحريات ، ونظرا لوجود مؤسسات قوية قادرة على ان تحافظ على الموروث والاصيل .
الا ان الخطورة تتمثل في فرض هذه الحداثة على العالم الثالث وفي مقدمته العالمان العربي والاسلامي . فهذه الحداثة لم تنطلق من صميم الفلسفات المحلية لهذا العالم ولا لصالحه ، ولا على ايدي مفكريه ومبدعيه . وانما تم تسويقها له لاعتبارات ودوافع سياسية واقتصادية وامنية على طريق هيمنة العولمة الشمولية الهادفة الى الاستحواذ على العالم .
ان قراءة ثاقبة في حيثيات محاولات نشر هذا المفهوم الثقافي الحداثي الاوروبي خارج اسوار الحضارة الاوروبية يطرح يقينا حقائق كثيرة . فهي في مجملها افكار تحمل صفات الغزو . وهي تستهدف الى تهميش الثقافات الاخرى ايا كانت واستثناؤها بعامة ، وعدم الايمان بمبدأ التعددية الثقافية بخاصة ، ذلك انها تأتي في اطار حملة تنطلق من مركزية الثقافة الاوروبية وهي ثقافة الاقوياء المفروضة على الضعفاء . وهي في المشهد الاخير النموذج الثقافي المفترض ان يحتذى ، والمرجعية النهائية التي يلتجأ اليها . وهذه هي العولمة الثقافية بابسط معانيها .
وعودة الى هذه الشريحة الحداثية العربية ، فلدى استقراء خارطة المشهد الثقافي والابداعي الخاص بها فانه يفرز حقائق لا لبس فيها . فالعملية بحد ذاتها لم تكن في مجملها تستهدف تحديث الواقع العربي الثقافي بمعنى التطوير وانما كانت تستهدف هدم صروح الثقافة العربية الاصيلة بوساطة " جرافات الحداثة لاقامة مستوطنات ثقافية غربية الطراز والشكل والرؤى " .
لقد سمحت هذه الشريحة المثقفة الحداثية العربية لنفسها مثالا لا حصرا ان تتطاول على صروح الشعر العربي ، وان تتسلل الى عرش القصيدة العربية ، وان تعريها من كل ما يمت الى عروبتها بصلة فداست على اوزانها وقوافيها ورؤاها وخطابها وغيرت اتجاهاتها ، واغرقتها في بحر من الاساطير والطلاسم والتهاويم ، واخرجتها من ساحة نضالاتها اكراما لقصيدة الثقافة الغربية . ولكي تكون تابعة لا سيدة مستقلة وصدى لا صوتا .
وهي لم تقف عند هذا الحد بل تجاوزته الى مجمل الفكر العربي ، والاسس التي يقوم عليها وتطاولت على كثير من منظومة القيم والمثل والمفاهيم العقائدية والاخلاقية باسم الحرية التي تنادي بها هذه الحداثة او باسم حقوق الانسان . وثمة اخيرا تساؤل يطرح نفسه في هذا السياق يخص الابداعات العربية المعاصرة تحت ظل هذه الحداثة : هل قفزت قفزة نوعية ترضى عنها الاوساط الثقافية الاوروبية ؟ . اغلب الظن ان هذه الاخيرة في قرارة نفسها لا تحترم المقلدين التابعين وتظل تنظر الى المحليات الاصيلة باحترام وتقدير .
في المشهد الحداثي
في الساحة العربية
لطفي زغلول
الحداثة او الحدوثة مفردة عربية تحمل معاني كثيرة ، منها الايجاد او الابتداع او الوصول بالشيء المقصود الى اقصى حالات التغيير في كل من الشكل والمضمون ، وأرقاها في زمن معين . وهي حالة نسبية لا مطلقة ، كونها تتغير بمرور الزمن وتبدل المكان والمنطلق والرؤيا .
والحداثة من الصفات التي لازمت المسيرة الانسانية عبر مراحل تطورها الثقافي والحضاري ، علاوة على انها لم تكن حكرا على أي من الحضارات او الثقافات . وفي الحقيقة انها كانت تشكل قاسما مشتركا لها في شتى الميادين . الا انها في نفس الوقت كانت متفاوتة الوتيرة في سرعة ايقاعها واتجاهاتها . وفي ذات الوقت تختلف وتيرة تسارعها من مجتمع الى آخر ، او مدى الإيمان بها كحركة ضرورية وحتمية .
وقد عايشت الحضارة العربية الاسلامية هذا المفهوم الذي لازمها على مرعصور ازدهارها ، كونها اساسا لم تكن منغلقة على نفسها . وعلى النقيض من ذلك كانت منفتحة على الآخر ومتسامحة معه ايا كان . الا انها ظلت تحتفظ بمزاياها وتميزها وخصائصها وخصوصيتها ، وترفض الذوبان في أي ذات اخرى ، او الانصياع لها او اتخاذها مرجعية . وهي في ذات الوقت عالية غير متعالية ، ومعتزة معزوزة غير وضيعة مهزوزة بعطائها.
وفي التاريخ العربي المعاصر ، وتحديدا منذ خمسينات القرن العشرين المنصرم ، شهد العالم العربي تنامي موجة تحديث لشتى مرافق حياته المادية ، وغير المادية . فلم يكن هناك ادنى خلاف على تحديث الجوانب المادية . الا ان الخلاف استعر على ما يخص الجوانب التقافية . حيث طغت على تفكير شريحة من المثقفين والمبدعين العرب موجة عاتية آخذة في الانتشار والاتساع ، اسفرت في احيان كثيرة عن ارتماء في احضان الثقافة الغربية ، وتقبل كل ما تنتجه دون تمحيص ولا تقويم او تقييم ، على اعتبار انها ثقافة الآقوى المستعمر المنتصر الأرقى التي لا ينبغي لأحد محاكمتها ، ويفترض قبولها على علاتها .
وتنعكس مظاهر هذه الموجة في " ابداعات فكرية او ادبية ، والشعر واحد منها " . وقد افرزت ادبا وشعرا يصر مبدعوه الحداثيون على ان هويته عربية حديثة وعصرية وحتى عالمية . وحقيقة الامر هو ابداع قوالبه واشكاله واساليبه ومدارسه ومنطلقاته ورؤاه مستعارة من الثقافة الغربية التي يبشر بها هؤلاء الحداثيون اعرب ، ويقومون بتسويقها على انها الحل الجذري لتخلف المشهد الثقافي العربي الذي سوف يظل يعاني من التحجر والانجماد والتقوقع اذا لم يأخذ –على حد ادعاء هذه الشريحة – بالتجربة الثقافية الغربية التي لها الهيمنة السياسية والعسكرية والعلمية والتقنية ، وبالتالي فان كل ما يصدر عنها من هذا المنظور يشكل المرجعية الاخيرة لكل بني البشر . واما الخصوصيات والكماليـات فقد انتهى مفعولها وزمانها .
وقبل الخوض في فعاليات تسويق هذا النوع من الحداثة على ايدي هذه الشريحة المثقفة العربية ، يجدر بداية اضاءة فضاءات هذه " الحداثـة " والتحليق في مساراتها ومعارجها . فالحداثة هنا والتي يجري الترويج لها في الوطن العربي ، هي في الحقيقة نموذج اوروبي هدفه اصلا ان يواجه الانسان مصيره مستقلا . وهي تعتمد الذات البرجوازية .
ولدى دراسة الابداعات الاوروبية التي تنتمي الى مدرستها فانها باختصار تضعنا امام نماذج من الابداع حطم كل اشكال التقاليد وتجاوز منظومة المحظورات والمحرمات والتحفظات التي تقوم عليها فلسفات المجتمع . واطلقت في ذات الوقت العنان لكافة المشاعر والاحاسيس والرغبات والنزعات والغرائز الكامنة في الانسان الى فضاءات من الحرية ليس لها حدود ، مخلفة وراءها كافة الاساليب والقوالب الابداعية الجماعية التي كان متعارفا عليها على مذبح الفردية.
وبمعنى ابسط فالحداثة الاوروبية قبل ان تكون في القوالب والمدارس الابداعية كانت في الفكر والرؤيا والايديولوجية . وقد يكون هذا الشكل الحداثي مقبولا في اوروبا نظرا لتطور مفهوم الحريات ، ونظرا لوجود مؤسسات قوية قادرة على ان تحافظ على الموروث والاصيل .
الا ان الخطورة تتمثل في فرض هذه الحداثة على العالم الثالث وفي مقدمته العالمان العربي والاسلامي . فهذه الحداثة لم تنطلق من صميم الفلسفات المحلية لهذا العالم ولا لصالحه ، ولا على ايدي مفكريه ومبدعيه . وانما تم تسويقها له لاعتبارات ودوافع سياسية واقتصادية وامنية على طريق هيمنة العولمة الشمولية الهادفة الى الاستحواذ على العالم .
ان قراءة ثاقبة في حيثيات محاولات نشر هذا المفهوم الثقافي الحداثي الاوروبي خارج اسوار الحضارة الاوروبية يطرح يقينا حقائق كثيرة . فهي في مجملها افكار تحمل صفات الغزو . وهي تستهدف الى تهميش الثقافات الاخرى ايا كانت واستثناؤها بعامة ، وعدم الايمان بمبدأ التعددية الثقافية بخاصة ، ذلك انها تأتي في اطار حملة تنطلق من مركزية الثقافة الاوروبية وهي ثقافة الاقوياء المفروضة على الضعفاء . وهي في المشهد الاخير النموذج الثقافي المفترض ان يحتذى ، والمرجعية النهائية التي يلتجأ اليها . وهذه هي العولمة الثقافية بابسط معانيها .
وعودة الى هذه الشريحة الحداثية العربية ، فلدى استقراء خارطة المشهد الثقافي والابداعي الخاص بها فانه يفرز حقائق لا لبس فيها . فالعملية بحد ذاتها لم تكن في مجملها تستهدف تحديث الواقع العربي الثقافي بمعنى التطوير وانما كانت تستهدف هدم صروح الثقافة العربية الاصيلة بوساطة " جرافات الحداثة لاقامة مستوطنات ثقافية غربية الطراز والشكل والرؤى " .
لقد سمحت هذه الشريحة المثقفة الحداثية العربية لنفسها مثالا لا حصرا ان تتطاول على صروح الشعر العربي ، وان تتسلل الى عرش القصيدة العربية ، وان تعريها من كل ما يمت الى عروبتها بصلة فداست على اوزانها وقوافيها ورؤاها وخطابها وغيرت اتجاهاتها ، واغرقتها في بحر من الاساطير والطلاسم والتهاويم ، واخرجتها من ساحة نضالاتها اكراما لقصيدة الثقافة الغربية . ولكي تكون تابعة لا سيدة مستقلة وصدى لا صوتا .
وهي لم تقف عند هذا الحد بل تجاوزته الى مجمل الفكر العربي ، والاسس التي يقوم عليها وتطاولت على كثير من منظومة القيم والمثل والمفاهيم العقائدية والاخلاقية باسم الحرية التي تنادي بها هذه الحداثة او باسم حقوق الانسان . وثمة اخيرا تساؤل يطرح نفسه في هذا السياق يخص الابداعات العربية المعاصرة تحت ظل هذه الحداثة : هل قفزت قفزة نوعية ترضى عنها الاوساط الثقافية الاوروبية ؟ . اغلب الظن ان هذه الاخيرة في قرارة نفسها لا تحترم المقلدين التابعين وتظل تنظر الى المحليات الاصيلة باحترام وتقدير .