ابراهيم بن مريع
09-12-2005, 03:22 AM
سعد العبد الله الصويان
الشعر النبطي .. ذائقة الشعب وسلطة النص
دار الساقي ، بيروت ، 2000 ، 605 صفحات
حين الإحالة على مصائر التمزق العربي الراهن يضطر المرء إلى إعادة النظر فيما جرى ترسيخه ماضياً من بنى مجتمعية وثقافية متعارضة تقوم على تعارك الثنائيات الصارمة التي تقسِّم الأدوار والهياكل إلى قطاعات متناقضة ومحاور تتبادل التضاد فيما بينها ، وهو ما يعني أن صراعاً داخلياً لا يتوقف سيكون محور هذا ( التلاقي المتوتر ) داخل الاجتماع العربي والإسلامي .
وليس بعيداً عن هذا التفكير الثنائي الحاد يجد المرء أيضاً أن التقسيمات التي خضعت لها الثقافة العربية ـ خاصة خلال تمخضاتها الحضارية الصعبة ـ كانت تنشد دوماً إعلاء الفئة أو المجموعة أو المذهب أو النظام الذي يتملّّك بقعة الامتداد وسلطة الشيوع ، ويصبح موقف المناصرة والاحتذاء والإحياء محتفياً بها دون غيرها .
ثقافات الكادحين المقموعة
وفي ظل ذلك كانت تتأسس منظورات مضادة للدوائر والمجموعات الأخرى التي ترضخ لنوع من التهميش الثقافي أو الاجتماعي أو السياسي أو المهني . ويُصاحب هذا التهميش المصطنع تفاعلاتٌ اجتماعية وسلطوية يختلط فيها الازدراء بالقمع والاستعباد . ولأجل تحميل هذا المنظور السلبي المسوغات المجوّزة يتم استعادة التبريرات الوطنية والدينية والعمل على شحذ قرارات النفي والمصادرة بالعناوين الساحرة ذات المدلولات المشحونة ، وهو ما يستدعي تصوير المجموعات المحكومة بالاستبعاد على أنها مصدر الخطر وبؤرة حياكة الفتن والمؤامرات . وبحكم اضطرار هذه المجموعات إلى الإنزواء والاحتباس في مخزون الذاكرة المقموعة فإنها تتحرك بذهنية الأقلية والخارجة على السياق السائد ، وهو ما يفرض عليها خيار المعارضة وبالتالي إنتاج ثقافتها الخاصة التي تعكس ذهنيتها ومجموعها الاجتماعي المضطهد .
وإذا كان التشكيل النسقي عند العرب هو نسق استبدادي ـ بتعبير عبد الله الغذامي- وذلك بحكم المراهنات التاريخية الحادة التي أُخضع لها المجتمع العربي والمسلم ؛ فإن مواقف معادية من التراث الشعبي العفوي لن تكون استثناءً أو خارج التوقع . فالفئات المحرومة والكادحة وطبقات الناس العاديين ؛ لم يكن متاحاُ لها الاشتغال على الأنماط الثقافية التي تنتجها النخب الحاكمة والمثقفة ، وكانت تستعيض عن غربتها وسط ثقافات النخب بإنتاج ثقافتها الشعبية وأدواتها التعبيرية والتخييلية الخاصة . وفي المقابل كان تلقي هذه الثقافة مصحوباً بمعالجات رافضة من قبل المجموع النخبوي .
تأتي دراسة سعد العبد الله الصويان حول ( الشعر النبطي ) لتلقي الضوء على جوانب من إشكالات هذا المنتج الثقافي الشعبي ، وذلك من خلال معالجات نقدية وأنثروبولوجية وعروضية مقارنة ، واعتماداً على بحث فكري متواصل في قضايا هذا المنتج الشعبي ، وعبر تقصّي مخطوطاته المتاحة والمجالسات الشفهية والميدانية مع المعنيين والمشتغلين بالشعر النبطي وثقافة الصحراء وسكانها . ولذلك استغرق انجاز هذه الدارسة سنين طويلة ارتكز البحث فيها على المادة الشعرية المخطوطة وحول القضايا النظرية المتعلقة بها .
الثقافة العربية وإشكالية العلاقة مع الشعبي
في مقدمة الكتاب الفكرية يتناول المؤلف العلاقة الإشكالية التي تتجاذب الثقافة العربية الفصيحة والنخبوية مع أشكال الثقافة العامية والشعبية . ففي حين تتعايش الثقافات العالمية مع آدابها وموروثاتها الشعبية ؛ تتجه الثقافة العربية إلى ممارسة تشكيكات وإقصاءات متنوعة لجوانبها الثقافية الشعبية ، وهو ما يُشرّع سؤال الكاتب بشأن رفض الثقافة العربية ـ دون غيرها ـ للتعامل مع السياقات الثقافية التي نشأت خارج التشكيل الرسمي أو النخبوي أو الفصيح . وهو سؤال يتضمن إشارة معبّرة لحالة التشنج التي تنتاب النخبة العالمة والحاكمة والتقليدية عندما يأتي الحديث إلى حقّ الثقافات الشعبية ( الفرعية ) في إظهار أشكالها الثقافية والاحتفاظ بها .
ومع أن الصويان يذكر أن رفض الأدب الشعبي في العالم العربي هو ظاهرة ينفرد بها العرب بحكم الخصوصيات الحضارية والتاريخية وبالنظر إلى الواقع التراجعي الذي آلت إليه الأمة العربية ؛ إلا أن هذا الوصف يحتاج إلى مراجعة أكثر دقة . إذ أن العلاقة مع الأغيار والهوامش والجزئيات عادة ما تتسم بالتنكر وعدم القبول لدى الثقافات المصطفاة والسائدة ، وليس هنالك خصوصية حضارية ثابتة في أمة معينة تفرض عليها هذا النوع من التعاطي السلبي . غير أن الحالة اللافتة في السياق العربي تتمثل في استمرار علاقة التوتر وسوء الفهم والنية بين ( الثقافة المؤسسة ) وبقية الثقافات التي لا تخضع لقواعدها وقوانينها النهائية . وقد توافرت عدة معرفية ومنهجية وتبريرية ضخمة لتأصيل هذه العلاقة الرافضة وتغطيتها بالكليشيهات التي تستهوي المتلقي العربي والمسلم . ومن هنا فإن المسألة في السياق العربي تتعلق بالتداخلات التاريخية والسياسية التي طرأت على المجتمع العربي ، وليست لها علاقة بخصوصية فارقة أو متميزة عن سواها .
رفض واحد وخلفيات متعددة
وفي محاولة سعد الصويان لاقتراح إجابة على سؤال الممانعة العربية حيال عدم التوافق مع المستويات اللغوية والأدبية الشعبية ؛ يتطرق لموضوعات شائكة ترتبط بالبنية المعرفية في الثقافة العربية . وضمن إطار مقولات رفض الثقافة الشعبية ؛ يشير الكاتب إلى أن الغالبية العظمى من المثقفين العرب تبني موقفاً متردداً ومستهجناً تجاه الثقافات الشعبية ، وذلك لكون هذه الثقافات تشكلت ضمن حالة التخلف والتشرذم التي تُميّز الوضع الشعبي والجماهيري .
إلا أننا نجد أن هذا الموقف الإلغائي لم يكن ثابتاً على هذه الحدة وبذات الخلفيات التي يتحدّث حولها الصويان . فإذا كانت الأعمال الصادرة في السنوات الأخيرة تكاد تتفق على سلبية معينة من التراث الشعبي العربي ؛ فإن اختلافها المنهجي والأيديولوجي والمعرفي يعكس اختلافاً في مستوى هذه السلبية وخلفيتها . فالدراسات التراثية لمحمد عمارة ، وحسن حنفي ، وحسين مروة ، وأدونيس ، وطيب تيزيني .. كلها تتناول المستويات الشعبية المختلفة في التراث العربي ، إلا أن هناك اختلافاً واضحاً فيما بينها يخص التحديد والدلالة والموضوع وخلفية الرفض والقبول . فعند محمد عمارة وحسين مروة وأدونيس ينغلق مفهوم التراث على الأعمال ذات الانبناء الفكري المتماسك والواضح ، مما يعني الإحجام عن تلك التراثات الشفهية والشعبية التي لا تلتزم بهذا المعيار الفكري . ولا يملّ نصر حامد أبو زيد من تكرار عباراته الجارحة ضد التكوينات الشعبية وثقافتها الخاصة التي تنتجها . ومع أن حسن حنفي يُبدي اندفاعاً شعبياً واضحاً ـ كرهاً للحكام والأنظمة ؛ إلا أن موضوعة تجديد التراث لديه تقتصر فقط على العلوم الإسلامية الأربعة ( علم الكلام ، والفلسفة ، والتصوف ، وأصول الفقه ) ، دون التراثات الشعبية كالأمثال العامية والشعر النبطي والفنون الفلكلورية .. . كما أن الإيجابية النسبية التي يقررها طيب تيزيني تجاه التراث الشعبي لا تتكامل مع الموقف النظري والفلسفي الذي اشتغل عليه في قضية التراث العربي حيث تناسى فيه الاشتغالات الشعبية وظروف القاع الاجتماعي العربي الذي أنتج فنوناً قولية مختلفة . وقد يكون غالي شكري - رغم قصوره في جهة المنهجية - من أوائل الذين أعادوا النظر في هذه المسألة ، وأكّد على حضور الجانب الشعبي في مفهومة التراث . أما محمد أركون فإنه يرتبك كثيراً حينما يطلّ على المسألة الشعبية في التراث ، ففي الوقت الذي يُكرّر مفهوماته المندّدة بكلّ ( الشعبويات ) ويستهجن الإحالة الجماهيرية التي يتعاطف معها الكتّاب ، فإنه يؤكد الضرورة العلمية ( الأنثربولوجية ) في الإحاطة بالمكونات الشعبية والثقافات العامية ، ولكنه يجد هذه الإحاطة هامة على صعيد التوظيف العلمي الخاص الذي ينجسم مع رؤيته في تخليص الثقافة والتراث العربيين من المداخلات الضارة والتي يُشكّل التراث الشعبي أبرز روافدها كما يخلص إليه .
مقولات رفض الشعر النبطي
يستعرض الصويان مجموعة من المقولات التي أسّست المواقف الرافضة لدراسة الشعر النبطي وللجانب الشعبي من ثقافتنا العربية عموماً . فهناك المقولة الدينية التي تربط عضوياً بين اللغة والدين ، وتُضفي على الفصحى بهذا الارتباط حساسية خاصة بحيث يكون الإخلال بها إخلالاً في المسألة الدينية ، ولهذا التوجه امتدادته القديمة والحديثة خصوصاً في بيئة الفقهاء والمفسرين الذين يعقدون مساحات أولية لمباحث اللغة كمقدمات لدروس الأصول والإعجاز القرآني . ومع أن هذه المقولة تجد لها استحضاراً واسعاً في كتابات المعاصرين الناقدة ؛ إلا أنها لم تعد حالياً تملك خصوصيتها وقوتها القديمة ، لاسيما بعد أن تمكنت اللغة العربية الفصحى من توطيد نفسها وإحكام قواعدها .
أما القوميون فإنهم ينظرون إلى العربية الفصحى باعتبارها الرابط التوحيدي الأول لأمة العرب ، والتفريط فيها والتساهل أمام اللهجات العامية يمكن أن يؤدي إلى اندثارها وبالتالي القطيعة بين الإنسان العربي والقضاء على مفهوم الوحدة الحضارية المشتركة . كما كان للسلطة السياسية مقولتها الخاصة في معاداة الأدب الشعبي والعامي ، حيث كان للتحول المركزي في السلطة السياسية دواعيه في إبعاد الأدب الشعبي من التداول الرسمي لكونه يتضمن بذوراً إنشاقية تهدّد الكيان التوحيدي للسلطة المركزية ، وهو أمر يتعزّز مع ملاحظة أن التراث الشعبي في الغالب يتضمن أدباً ومفاهيم ورؤى تتعارض مع النموذج الحاكم والمسموح له مما يجعله تراثاً معارضاً ويُهدّد بظهوره العام الأوضاع القائمة ثقافياً وسياسياً . وتستند هذه المقولات الرافضة على مقولة نخبوية تتحاشى التعرّض لدراسة المأثورات الشعبية والثقافة التقليدية والعناية ، إنطلاقاً من الإيمان بضرورة تجاوز كلّ مكونات المرحلة التقليدية وتمهيداً لإرساء مفاهيم التحديث ومنظومات التقدم .
نقض المقولات
بعد ذلك يعمل سعد الصويان على نقض هذه المقولات ، مع تسجيله المقاصد النبيلة التي كانت وراء بعضها وإن كانت تتعارض مع أصول التفكير العلمي على ما يقول . فمعظم التحفظات الواردة لا تستند على رؤية متكاملة ولا تنطلق من أساس منهجي سليم . ولكي يكشف الكاتب عيوب الأطر الذهنية التي تستند عليها مقولات الرفض ؛ يقف عند مجموعة من العناوين الهامة . فيحلّل ما يسميه بالرؤية السكونية في فهم الكون ، وما تتضمنه من تفسيرات أسطورية للمفاهيم والحوادث ، ومنها التفسيرات اللغوية التي أنتجت مفهوم ( فساد اللغة ) بدلاً من مفهوم ( التغير اللغوي ) . كما يشير إلى خلط المدعين بين الدعوة إلى شيء وتبنيه وبين الدعوة إلى دراسته بموضوعية ، ومنه كذلك الخلط بين العلم ( الجانب الاكتشافي ) والاختراع ( الجانب التقني ) . وهناك الخلط بين الفكر والأيديولوجيا . وفي هذا السياق أيضاً يناقش الصويان النزعة التآمرية في تفسير الصراع الإنساني ، وموضوع التعددية وإشكاليتها في البيئة العربية ، ويختم مناقشاته بالإشارة إلى قضية المنهج وغياب الجهود العربية في بلورة الرؤى النظرية ، بما فيها تلك التي تتصل بالمسائل اللغوية والفنية ودراسة الأدب الشعبي خاصة .
الثقافة الشعبية وعلامتها الحضارية
يجتهد الصويان ليثبت أهمية العناية بالثقافة التقليدية واعتبارها ظاهرة حضارية ومؤشراً على وعي الأمة ونضوجها الفكري . كما أن إهمال الثقافة الشعبية يعدّ ـ في رأيه ـ استهانة بذات فكرة الارتباط بالتراث العربي والإسلامي التي تحتل مركزية الاهتمام لدى المسلمين جميعاً . وفي سبيل البرهنة على ذلك يستدعي الكاتب خلاصات النظريات العلمية في مجال الأدب واللغة ، ليُعلي من شأن الإنتاج اللغوي الشعبي رغم عاميته ؛ مادام الشكل اللغوي ليس هو المقياس الموضوعي لتقييم الأدب ، وأنّ الجودة تكمن في مهارة استعمال اللغة وطريقة التعبير بها . والصويان بهذا الاستحضار العرضي للأفكار اللغوية والإنثربولوجية المحتفية باستعمالات الإنسان العادي المبدعة للغة ، وبالإضافة إلى محاولته المستمية لتأكيد وثاقة ارتباط الشعبي ( من اللغة والأدب والفلكوريات ) بالفصيح والقواعدي ( من اللغة والأدب والرسميات ) ؛ فإنه في ذلك كله يستهدف الخلوص إلى مشروعية دراسة الشعر النبطي ، بوصفه النافذة التي يمكن من خلالها التطلع إلى أعماق الماضي العربي السحيق حيث الشعر الجاهلي ، وهو ما يوصلنا ـ بحسب الصويان ـ إلى علاقة الشعر النبطي بالعشر العربي عموماً ، خصوصاً العلاقة التاريخية والحضارية المبنية على أساس النسب اللغوي والفني واستمرارية الحراك التاريخي والحضاري لمجتمعات الجزيرة العربية .
الشعر النبطي وإشكالية المسمى والنشأة
ينتقل الصويان بعد هذه المقدمة إلى إشكالية الشعر النبطي من حيث المسمى والنشأة . ويستعرض الكاتب الآراء المطروحة في هذا الباب ، مشيراً إلى أن مسمى الشعر النبطي يطلق على الشعر الذي يتناقله جمهور الناس بلهجتهم الدارجة في الجزيرة العربية ، وقد نزح هذا الفن الشعري من الجزيرة واستقر في بلاد الشام والرافدين ووصل حتى الأهواز وعربستان . وهذه التسمية لم تكن معروفة في البادية حتى عهد قريب ، حيث إن ابن خلدون أول من تكلم عن هذا الشعر وأورد له أسماء ليس من بينها الشعر النبطي مما يوحي بأن هذه التسمية لم تكن قد ظهرت بعد ، لاسيما وأن تسمية ( النبطي ) من ابتداع أهل الجزيرة ويكاد ينحصر استعمالها فيهم في حين أن ابن خلدون كما هو معروف من أهل المغرب . وأقدم الشواهد التي تثبت استعمال كلمة ( نبطي ) وجدها الصويان في مخطوطة لأبي حمزة العامري الذي عاش في نهاية القرن السابع الهجري وبداية الثامن . إلا أنه ليس من المعلوم تحديداً متى ولا كيف أُطلق اسم نبطي على هذا اللون الشعري ولا منْ أطلقه والقصد من ورائه ، ويزيد من هذا الاضطراب أن جذر الكلمة ( نبط ) واسع الاشتقاقات وغني بالدلالات .
تناسل الشعر النبطي من الشعر الجاهلي
يُكرّس الصويان الفصل الثاني والثالث من الكتاب لبحث لغة الشعر النبطي وأوزانه مواصلاً بحثه المقارن بين الشعر الجاهلي والنبطي وسلالته منه . ومن خلال دراسة مقارنة على مستوى اللغة والعروض يستخلص الصويان الاتفاق بين الشعر الجاهلي والنبطي ويُفسّر ما بينهما من اختلافات في المجال اللغوي والعروضي بعوامل التغير الطبيعي التي تمرّ بها اللغة في مسيرتها التاريخية ، موضحاً أن هذا الاختلاف محكوم بقوانين مطردة ومتسقة مما يؤكد العلاقة النسبية بينهما .
في الفصل الرابع يستتبع الصويان دراسته ببحث مسألة تدوين الشعر النبطي ، وهي مسألة اقتضت منه التنقيب الجاد في المصادر الخطية وذلك لتحاشي الاستناد المطلق على الروايات الشفهية التي لا يمكن الركون إليها باطمئنان تام في المنهجية العلمية . وبحسب القصائد النبطية القديمة يلاحظ الباحث أنها كانت مشوبة بمسحات من الفصحى مما يسمح باعتبارها نماذج تمثل مرحلة انتقال لغة الشعر من الفصحى إلى العامية . وبعد استعراض المخطوطات التي تناولها يُحقّب الباحث تاريخ الشعر النبطي إلى ما قبل الحقبة الجبرية ( التي سبقت الدولة الجبرية ) ، والحقبة الجبرية ( حتى زوالها بعد دخول البرتغاليين إلى منطقة الخليج ) ، والحقبة الغريرية ( ابتداءً مع استيلاء براك بن غرير على السلطة في الإحساء عام 1080هـ ) ، وحقبة الرياض ( مع ظهور الإمام تركي بن عبدالله وتأسيسه الدولة السعودية الثانية ) ، وحقبة حائل ( مع نهاية حقبة الرياض ) ، وحقبة التوحيد ( توحيد المملكة ) ، وحقبة التجديد ( مع بداية حكم الملك فيصل ) .
وفي الفصول المتبقية يستعرض الباحث أقدم النماذج الشعرية النبطية ، ويبحث نصوصياً وبشكل مقارن في أهم الحقب التي مرّ بها الشعر النبطي بحسب تصنيفه التاريخي ؛ ناشداً الوقوف عند الملامح الفنية والتاريخية التي تُعزّز أطروحة الكتاب حول العلاقة بين الشعر الجاهلي والشعر البدوي ( النبطي ) فيما يبرهن ـ على ما يروم الصويان في الخلاصة ـ أن الشعر الجاهلي والشعر النبطي هما البداية والنهاية لموروث شعري مستمر عبر التاريخ .
المصدر : منتديات الرفيعة الحوارية
الشعر النبطي .. ذائقة الشعب وسلطة النص
دار الساقي ، بيروت ، 2000 ، 605 صفحات
حين الإحالة على مصائر التمزق العربي الراهن يضطر المرء إلى إعادة النظر فيما جرى ترسيخه ماضياً من بنى مجتمعية وثقافية متعارضة تقوم على تعارك الثنائيات الصارمة التي تقسِّم الأدوار والهياكل إلى قطاعات متناقضة ومحاور تتبادل التضاد فيما بينها ، وهو ما يعني أن صراعاً داخلياً لا يتوقف سيكون محور هذا ( التلاقي المتوتر ) داخل الاجتماع العربي والإسلامي .
وليس بعيداً عن هذا التفكير الثنائي الحاد يجد المرء أيضاً أن التقسيمات التي خضعت لها الثقافة العربية ـ خاصة خلال تمخضاتها الحضارية الصعبة ـ كانت تنشد دوماً إعلاء الفئة أو المجموعة أو المذهب أو النظام الذي يتملّّك بقعة الامتداد وسلطة الشيوع ، ويصبح موقف المناصرة والاحتذاء والإحياء محتفياً بها دون غيرها .
ثقافات الكادحين المقموعة
وفي ظل ذلك كانت تتأسس منظورات مضادة للدوائر والمجموعات الأخرى التي ترضخ لنوع من التهميش الثقافي أو الاجتماعي أو السياسي أو المهني . ويُصاحب هذا التهميش المصطنع تفاعلاتٌ اجتماعية وسلطوية يختلط فيها الازدراء بالقمع والاستعباد . ولأجل تحميل هذا المنظور السلبي المسوغات المجوّزة يتم استعادة التبريرات الوطنية والدينية والعمل على شحذ قرارات النفي والمصادرة بالعناوين الساحرة ذات المدلولات المشحونة ، وهو ما يستدعي تصوير المجموعات المحكومة بالاستبعاد على أنها مصدر الخطر وبؤرة حياكة الفتن والمؤامرات . وبحكم اضطرار هذه المجموعات إلى الإنزواء والاحتباس في مخزون الذاكرة المقموعة فإنها تتحرك بذهنية الأقلية والخارجة على السياق السائد ، وهو ما يفرض عليها خيار المعارضة وبالتالي إنتاج ثقافتها الخاصة التي تعكس ذهنيتها ومجموعها الاجتماعي المضطهد .
وإذا كان التشكيل النسقي عند العرب هو نسق استبدادي ـ بتعبير عبد الله الغذامي- وذلك بحكم المراهنات التاريخية الحادة التي أُخضع لها المجتمع العربي والمسلم ؛ فإن مواقف معادية من التراث الشعبي العفوي لن تكون استثناءً أو خارج التوقع . فالفئات المحرومة والكادحة وطبقات الناس العاديين ؛ لم يكن متاحاُ لها الاشتغال على الأنماط الثقافية التي تنتجها النخب الحاكمة والمثقفة ، وكانت تستعيض عن غربتها وسط ثقافات النخب بإنتاج ثقافتها الشعبية وأدواتها التعبيرية والتخييلية الخاصة . وفي المقابل كان تلقي هذه الثقافة مصحوباً بمعالجات رافضة من قبل المجموع النخبوي .
تأتي دراسة سعد العبد الله الصويان حول ( الشعر النبطي ) لتلقي الضوء على جوانب من إشكالات هذا المنتج الثقافي الشعبي ، وذلك من خلال معالجات نقدية وأنثروبولوجية وعروضية مقارنة ، واعتماداً على بحث فكري متواصل في قضايا هذا المنتج الشعبي ، وعبر تقصّي مخطوطاته المتاحة والمجالسات الشفهية والميدانية مع المعنيين والمشتغلين بالشعر النبطي وثقافة الصحراء وسكانها . ولذلك استغرق انجاز هذه الدارسة سنين طويلة ارتكز البحث فيها على المادة الشعرية المخطوطة وحول القضايا النظرية المتعلقة بها .
الثقافة العربية وإشكالية العلاقة مع الشعبي
في مقدمة الكتاب الفكرية يتناول المؤلف العلاقة الإشكالية التي تتجاذب الثقافة العربية الفصيحة والنخبوية مع أشكال الثقافة العامية والشعبية . ففي حين تتعايش الثقافات العالمية مع آدابها وموروثاتها الشعبية ؛ تتجه الثقافة العربية إلى ممارسة تشكيكات وإقصاءات متنوعة لجوانبها الثقافية الشعبية ، وهو ما يُشرّع سؤال الكاتب بشأن رفض الثقافة العربية ـ دون غيرها ـ للتعامل مع السياقات الثقافية التي نشأت خارج التشكيل الرسمي أو النخبوي أو الفصيح . وهو سؤال يتضمن إشارة معبّرة لحالة التشنج التي تنتاب النخبة العالمة والحاكمة والتقليدية عندما يأتي الحديث إلى حقّ الثقافات الشعبية ( الفرعية ) في إظهار أشكالها الثقافية والاحتفاظ بها .
ومع أن الصويان يذكر أن رفض الأدب الشعبي في العالم العربي هو ظاهرة ينفرد بها العرب بحكم الخصوصيات الحضارية والتاريخية وبالنظر إلى الواقع التراجعي الذي آلت إليه الأمة العربية ؛ إلا أن هذا الوصف يحتاج إلى مراجعة أكثر دقة . إذ أن العلاقة مع الأغيار والهوامش والجزئيات عادة ما تتسم بالتنكر وعدم القبول لدى الثقافات المصطفاة والسائدة ، وليس هنالك خصوصية حضارية ثابتة في أمة معينة تفرض عليها هذا النوع من التعاطي السلبي . غير أن الحالة اللافتة في السياق العربي تتمثل في استمرار علاقة التوتر وسوء الفهم والنية بين ( الثقافة المؤسسة ) وبقية الثقافات التي لا تخضع لقواعدها وقوانينها النهائية . وقد توافرت عدة معرفية ومنهجية وتبريرية ضخمة لتأصيل هذه العلاقة الرافضة وتغطيتها بالكليشيهات التي تستهوي المتلقي العربي والمسلم . ومن هنا فإن المسألة في السياق العربي تتعلق بالتداخلات التاريخية والسياسية التي طرأت على المجتمع العربي ، وليست لها علاقة بخصوصية فارقة أو متميزة عن سواها .
رفض واحد وخلفيات متعددة
وفي محاولة سعد الصويان لاقتراح إجابة على سؤال الممانعة العربية حيال عدم التوافق مع المستويات اللغوية والأدبية الشعبية ؛ يتطرق لموضوعات شائكة ترتبط بالبنية المعرفية في الثقافة العربية . وضمن إطار مقولات رفض الثقافة الشعبية ؛ يشير الكاتب إلى أن الغالبية العظمى من المثقفين العرب تبني موقفاً متردداً ومستهجناً تجاه الثقافات الشعبية ، وذلك لكون هذه الثقافات تشكلت ضمن حالة التخلف والتشرذم التي تُميّز الوضع الشعبي والجماهيري .
إلا أننا نجد أن هذا الموقف الإلغائي لم يكن ثابتاً على هذه الحدة وبذات الخلفيات التي يتحدّث حولها الصويان . فإذا كانت الأعمال الصادرة في السنوات الأخيرة تكاد تتفق على سلبية معينة من التراث الشعبي العربي ؛ فإن اختلافها المنهجي والأيديولوجي والمعرفي يعكس اختلافاً في مستوى هذه السلبية وخلفيتها . فالدراسات التراثية لمحمد عمارة ، وحسن حنفي ، وحسين مروة ، وأدونيس ، وطيب تيزيني .. كلها تتناول المستويات الشعبية المختلفة في التراث العربي ، إلا أن هناك اختلافاً واضحاً فيما بينها يخص التحديد والدلالة والموضوع وخلفية الرفض والقبول . فعند محمد عمارة وحسين مروة وأدونيس ينغلق مفهوم التراث على الأعمال ذات الانبناء الفكري المتماسك والواضح ، مما يعني الإحجام عن تلك التراثات الشفهية والشعبية التي لا تلتزم بهذا المعيار الفكري . ولا يملّ نصر حامد أبو زيد من تكرار عباراته الجارحة ضد التكوينات الشعبية وثقافتها الخاصة التي تنتجها . ومع أن حسن حنفي يُبدي اندفاعاً شعبياً واضحاً ـ كرهاً للحكام والأنظمة ؛ إلا أن موضوعة تجديد التراث لديه تقتصر فقط على العلوم الإسلامية الأربعة ( علم الكلام ، والفلسفة ، والتصوف ، وأصول الفقه ) ، دون التراثات الشعبية كالأمثال العامية والشعر النبطي والفنون الفلكلورية .. . كما أن الإيجابية النسبية التي يقررها طيب تيزيني تجاه التراث الشعبي لا تتكامل مع الموقف النظري والفلسفي الذي اشتغل عليه في قضية التراث العربي حيث تناسى فيه الاشتغالات الشعبية وظروف القاع الاجتماعي العربي الذي أنتج فنوناً قولية مختلفة . وقد يكون غالي شكري - رغم قصوره في جهة المنهجية - من أوائل الذين أعادوا النظر في هذه المسألة ، وأكّد على حضور الجانب الشعبي في مفهومة التراث . أما محمد أركون فإنه يرتبك كثيراً حينما يطلّ على المسألة الشعبية في التراث ، ففي الوقت الذي يُكرّر مفهوماته المندّدة بكلّ ( الشعبويات ) ويستهجن الإحالة الجماهيرية التي يتعاطف معها الكتّاب ، فإنه يؤكد الضرورة العلمية ( الأنثربولوجية ) في الإحاطة بالمكونات الشعبية والثقافات العامية ، ولكنه يجد هذه الإحاطة هامة على صعيد التوظيف العلمي الخاص الذي ينجسم مع رؤيته في تخليص الثقافة والتراث العربيين من المداخلات الضارة والتي يُشكّل التراث الشعبي أبرز روافدها كما يخلص إليه .
مقولات رفض الشعر النبطي
يستعرض الصويان مجموعة من المقولات التي أسّست المواقف الرافضة لدراسة الشعر النبطي وللجانب الشعبي من ثقافتنا العربية عموماً . فهناك المقولة الدينية التي تربط عضوياً بين اللغة والدين ، وتُضفي على الفصحى بهذا الارتباط حساسية خاصة بحيث يكون الإخلال بها إخلالاً في المسألة الدينية ، ولهذا التوجه امتدادته القديمة والحديثة خصوصاً في بيئة الفقهاء والمفسرين الذين يعقدون مساحات أولية لمباحث اللغة كمقدمات لدروس الأصول والإعجاز القرآني . ومع أن هذه المقولة تجد لها استحضاراً واسعاً في كتابات المعاصرين الناقدة ؛ إلا أنها لم تعد حالياً تملك خصوصيتها وقوتها القديمة ، لاسيما بعد أن تمكنت اللغة العربية الفصحى من توطيد نفسها وإحكام قواعدها .
أما القوميون فإنهم ينظرون إلى العربية الفصحى باعتبارها الرابط التوحيدي الأول لأمة العرب ، والتفريط فيها والتساهل أمام اللهجات العامية يمكن أن يؤدي إلى اندثارها وبالتالي القطيعة بين الإنسان العربي والقضاء على مفهوم الوحدة الحضارية المشتركة . كما كان للسلطة السياسية مقولتها الخاصة في معاداة الأدب الشعبي والعامي ، حيث كان للتحول المركزي في السلطة السياسية دواعيه في إبعاد الأدب الشعبي من التداول الرسمي لكونه يتضمن بذوراً إنشاقية تهدّد الكيان التوحيدي للسلطة المركزية ، وهو أمر يتعزّز مع ملاحظة أن التراث الشعبي في الغالب يتضمن أدباً ومفاهيم ورؤى تتعارض مع النموذج الحاكم والمسموح له مما يجعله تراثاً معارضاً ويُهدّد بظهوره العام الأوضاع القائمة ثقافياً وسياسياً . وتستند هذه المقولات الرافضة على مقولة نخبوية تتحاشى التعرّض لدراسة المأثورات الشعبية والثقافة التقليدية والعناية ، إنطلاقاً من الإيمان بضرورة تجاوز كلّ مكونات المرحلة التقليدية وتمهيداً لإرساء مفاهيم التحديث ومنظومات التقدم .
نقض المقولات
بعد ذلك يعمل سعد الصويان على نقض هذه المقولات ، مع تسجيله المقاصد النبيلة التي كانت وراء بعضها وإن كانت تتعارض مع أصول التفكير العلمي على ما يقول . فمعظم التحفظات الواردة لا تستند على رؤية متكاملة ولا تنطلق من أساس منهجي سليم . ولكي يكشف الكاتب عيوب الأطر الذهنية التي تستند عليها مقولات الرفض ؛ يقف عند مجموعة من العناوين الهامة . فيحلّل ما يسميه بالرؤية السكونية في فهم الكون ، وما تتضمنه من تفسيرات أسطورية للمفاهيم والحوادث ، ومنها التفسيرات اللغوية التي أنتجت مفهوم ( فساد اللغة ) بدلاً من مفهوم ( التغير اللغوي ) . كما يشير إلى خلط المدعين بين الدعوة إلى شيء وتبنيه وبين الدعوة إلى دراسته بموضوعية ، ومنه كذلك الخلط بين العلم ( الجانب الاكتشافي ) والاختراع ( الجانب التقني ) . وهناك الخلط بين الفكر والأيديولوجيا . وفي هذا السياق أيضاً يناقش الصويان النزعة التآمرية في تفسير الصراع الإنساني ، وموضوع التعددية وإشكاليتها في البيئة العربية ، ويختم مناقشاته بالإشارة إلى قضية المنهج وغياب الجهود العربية في بلورة الرؤى النظرية ، بما فيها تلك التي تتصل بالمسائل اللغوية والفنية ودراسة الأدب الشعبي خاصة .
الثقافة الشعبية وعلامتها الحضارية
يجتهد الصويان ليثبت أهمية العناية بالثقافة التقليدية واعتبارها ظاهرة حضارية ومؤشراً على وعي الأمة ونضوجها الفكري . كما أن إهمال الثقافة الشعبية يعدّ ـ في رأيه ـ استهانة بذات فكرة الارتباط بالتراث العربي والإسلامي التي تحتل مركزية الاهتمام لدى المسلمين جميعاً . وفي سبيل البرهنة على ذلك يستدعي الكاتب خلاصات النظريات العلمية في مجال الأدب واللغة ، ليُعلي من شأن الإنتاج اللغوي الشعبي رغم عاميته ؛ مادام الشكل اللغوي ليس هو المقياس الموضوعي لتقييم الأدب ، وأنّ الجودة تكمن في مهارة استعمال اللغة وطريقة التعبير بها . والصويان بهذا الاستحضار العرضي للأفكار اللغوية والإنثربولوجية المحتفية باستعمالات الإنسان العادي المبدعة للغة ، وبالإضافة إلى محاولته المستمية لتأكيد وثاقة ارتباط الشعبي ( من اللغة والأدب والفلكوريات ) بالفصيح والقواعدي ( من اللغة والأدب والرسميات ) ؛ فإنه في ذلك كله يستهدف الخلوص إلى مشروعية دراسة الشعر النبطي ، بوصفه النافذة التي يمكن من خلالها التطلع إلى أعماق الماضي العربي السحيق حيث الشعر الجاهلي ، وهو ما يوصلنا ـ بحسب الصويان ـ إلى علاقة الشعر النبطي بالعشر العربي عموماً ، خصوصاً العلاقة التاريخية والحضارية المبنية على أساس النسب اللغوي والفني واستمرارية الحراك التاريخي والحضاري لمجتمعات الجزيرة العربية .
الشعر النبطي وإشكالية المسمى والنشأة
ينتقل الصويان بعد هذه المقدمة إلى إشكالية الشعر النبطي من حيث المسمى والنشأة . ويستعرض الكاتب الآراء المطروحة في هذا الباب ، مشيراً إلى أن مسمى الشعر النبطي يطلق على الشعر الذي يتناقله جمهور الناس بلهجتهم الدارجة في الجزيرة العربية ، وقد نزح هذا الفن الشعري من الجزيرة واستقر في بلاد الشام والرافدين ووصل حتى الأهواز وعربستان . وهذه التسمية لم تكن معروفة في البادية حتى عهد قريب ، حيث إن ابن خلدون أول من تكلم عن هذا الشعر وأورد له أسماء ليس من بينها الشعر النبطي مما يوحي بأن هذه التسمية لم تكن قد ظهرت بعد ، لاسيما وأن تسمية ( النبطي ) من ابتداع أهل الجزيرة ويكاد ينحصر استعمالها فيهم في حين أن ابن خلدون كما هو معروف من أهل المغرب . وأقدم الشواهد التي تثبت استعمال كلمة ( نبطي ) وجدها الصويان في مخطوطة لأبي حمزة العامري الذي عاش في نهاية القرن السابع الهجري وبداية الثامن . إلا أنه ليس من المعلوم تحديداً متى ولا كيف أُطلق اسم نبطي على هذا اللون الشعري ولا منْ أطلقه والقصد من ورائه ، ويزيد من هذا الاضطراب أن جذر الكلمة ( نبط ) واسع الاشتقاقات وغني بالدلالات .
تناسل الشعر النبطي من الشعر الجاهلي
يُكرّس الصويان الفصل الثاني والثالث من الكتاب لبحث لغة الشعر النبطي وأوزانه مواصلاً بحثه المقارن بين الشعر الجاهلي والنبطي وسلالته منه . ومن خلال دراسة مقارنة على مستوى اللغة والعروض يستخلص الصويان الاتفاق بين الشعر الجاهلي والنبطي ويُفسّر ما بينهما من اختلافات في المجال اللغوي والعروضي بعوامل التغير الطبيعي التي تمرّ بها اللغة في مسيرتها التاريخية ، موضحاً أن هذا الاختلاف محكوم بقوانين مطردة ومتسقة مما يؤكد العلاقة النسبية بينهما .
في الفصل الرابع يستتبع الصويان دراسته ببحث مسألة تدوين الشعر النبطي ، وهي مسألة اقتضت منه التنقيب الجاد في المصادر الخطية وذلك لتحاشي الاستناد المطلق على الروايات الشفهية التي لا يمكن الركون إليها باطمئنان تام في المنهجية العلمية . وبحسب القصائد النبطية القديمة يلاحظ الباحث أنها كانت مشوبة بمسحات من الفصحى مما يسمح باعتبارها نماذج تمثل مرحلة انتقال لغة الشعر من الفصحى إلى العامية . وبعد استعراض المخطوطات التي تناولها يُحقّب الباحث تاريخ الشعر النبطي إلى ما قبل الحقبة الجبرية ( التي سبقت الدولة الجبرية ) ، والحقبة الجبرية ( حتى زوالها بعد دخول البرتغاليين إلى منطقة الخليج ) ، والحقبة الغريرية ( ابتداءً مع استيلاء براك بن غرير على السلطة في الإحساء عام 1080هـ ) ، وحقبة الرياض ( مع ظهور الإمام تركي بن عبدالله وتأسيسه الدولة السعودية الثانية ) ، وحقبة حائل ( مع نهاية حقبة الرياض ) ، وحقبة التوحيد ( توحيد المملكة ) ، وحقبة التجديد ( مع بداية حكم الملك فيصل ) .
وفي الفصول المتبقية يستعرض الباحث أقدم النماذج الشعرية النبطية ، ويبحث نصوصياً وبشكل مقارن في أهم الحقب التي مرّ بها الشعر النبطي بحسب تصنيفه التاريخي ؛ ناشداً الوقوف عند الملامح الفنية والتاريخية التي تُعزّز أطروحة الكتاب حول العلاقة بين الشعر الجاهلي والشعر البدوي ( النبطي ) فيما يبرهن ـ على ما يروم الصويان في الخلاصة ـ أن الشعر الجاهلي والشعر النبطي هما البداية والنهاية لموروث شعري مستمر عبر التاريخ .
المصدر : منتديات الرفيعة الحوارية